محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

123

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

الوجه الثالث : أنْ نقولَ : ما قصدُك " ويُستفتى مَنْ ليْس بعَلِيم " ؟ هل قصدُكَ السجْعُ في الكلام ، أو ( 1 ) الإفحامُ للخصمِ والإلْزَامُ ؟ إنْ كانَ الأول ، فالبُلَغَاءُ لا يستطيبون مِنَ الأسجاع مواردَها إذا كانت تنْقُضُ مِن المذاهب قواعِدَها ، فهي تصلُحُ زينَةً للحُجَجِ الصحيحة ، فمتى أفسدَتْها ، كانت عِنْدَ البُلغاء قبيحةً ، لكن سَجْعَ السيِّدِ هذا يهْدِمُ قواعدَه ، ويخالِفُ مقاصِدَه ، لأنَّه هُوَ الذي أجاز للْمُقَلِّدِ العقيمِ أنْ يُفْتِىِ وليس بعليم ، وفي نُصْرَةِ هذا المَذْهبِ أنشأ هذِهِ الرِّسَالَة ، وأعادَ وأبدا في نُصْرَةِ هذِهِ المقالَةِ وإنْ كان السَّيِّدُ قال ذلِكَ الكَلاَمُ عَلَى سبيلِ الإفحام لِخَصْمه والإلزام ، فقد عادَ الإلزامُ أيضَاً إِلَيْه ، وخَرَجَ الاحتجاجُ مِنْ يديه ؛ لأنَّه الَّذي قضى بفقد المُجْتَهِدِينَ ، وحَكَمَ بمرتَبَةِ الفتْيَا للمُقلِّدِينَ ، واقتبس النَّارَ مِنَ الماءِ ، والأنوارَ مِنَ الظَّلْمَاءِ ، وأنتج العقيمَ ، واستغنى عنِ العُلماءِ بمَنْ ليس بعليمٍ ، وخَبَطَ مِنَ المناقَضَةِ في ليلٍ بهيم ، وسَلَكَ مِنَ المماراة في صراط غير مستقيم ، فبطلت حُجَّتُهُ واضْمَحَلَّتْ ، وجاء المثَلُ : " رَمَتْني بِدَائِهَا وانْسَلَّتْ " ( 2 ) ، وقد أجمعَ العلماءُ قديماً وحديثاً أنَّ التَّقليدَ ليس بِعِلْم ، والمقلِّد ليس بعالِمٍ ، فكيف تصدَّرَ السَّيِّدُ للتَّدريس والفتوى والمناظَرَةِ والتَّصنيف ، وأنْكر على محمد بن إبراهيم التَّرجيح بالأخبار ؟ زاعماً أنَّ ذلِكَ يؤدِّي إلى أنْ ينتجَ العقيم ، ويُفتي مَنْ ليس بعلمٍ ، مُصَدِّرَاً

--> ( 1 ) في ( ب ) : و . ( 2 ) وأصل المثل أن سعد بن زيد بن مناة بن تميم كان تزوج رهم بنت الخزرج بن تيم الله بن رفيدة بن كلب بن وبرة ، وكانت من أجمل النساء ، فولدت له مالك بن سعد ، وكان ضرائرها إذا سابَبْنَها ، يَقُلْنَ لها يا عفلاءُ ، فشكتْ ذلك إلى أمها ، فقالت لها : إذا ساببنك ، فابدئيهن بعَفال سُبيت ، فأرسلتها مثلاً ، فسابتها بعد ذلك امرأة من ضرائرها ، فقالت لها رهم : يا عفلاء ، فقالت ضرتها : رمتني بدائها وانسَلَّت ، فأرسلتها مثلاً ، وبنو مالك بن سعد يقال لهم بنو العفيلى لهذا السبب . يضرب لمن يعير بعيبه غيره . انظر " أمثال أبي عبيد " ص 92 ، و " المستقصى " 2 / 103 ، و " اللسان " : عفل .